• مؤسس الموقع - د. سعيد المحفوظ    //   مشرف الموقع - أ محمد المحكم      

الشاهد يقتل الغائب


سطور من كتاب الشاهد يقتل الغائب

 

مقدمة كتاب الشاهد يقتل الغائب


في البداية أود أن أقول أنه منذ أربعين سنة مضت خرجت حركة ثقافية ودينية واضحة لكنها من أرحام مختلفة لذلك تصادمت لا توافقت، لأن بعضها من رحم إسلامي وآخر غربي، وقد رأيت الفنانين العرب يتكلمون عن معاناة الشعوب ولكن السؤال هل وقفوا مع الشعوب؟ وهل تقدمت أحوال الشعوب إلى الأمام أم إلى الخلف بعد هذه السنون؟ سينما ومسرح ودراما وكتب وقصص وروايات، كذلك المشايخ والدعاة، محاضرات وخطب ودروس في العقيدة والتوحيد والحديث والتاريخ وتأليف الكتب وغيرها، أي نعم زاد عدد اللحى وزاد عدد الليبراليين ولكن الدول لم تتقدم، والغريب أنها تتأخر لا تتقدم، فأين الخلل؟ هل هو في اللحى أم الليبرالية؟

أمة اقرأ ماذا تقرأ؟! أن تقرأ فهذا شيء مطلوب وجميل ولكن الأهم ماذا تقرأ؟ إن قرأت منهجا إباحيا فسوف تتأثر بالإباحية وكذلك إن قرأت منهجا كفريا أو رومانسيا فسوف تتأثر به وقس على ذلك وأنت تقرأ القرآن الكريم بماذا ستتأثر؟ بآيات القتال أم بآيات الرحمة؟ فلا يكفى أن تقرأ يجب أن توفق فيما تقرأ وأن تستوعبه؟

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} [النصر]

 النصر سبب للفرح ولكن ما هي نوعية هذا النصر؟ البعض قد يتصور أنه النصر المرتبط بكرة القدم أو غيرها من الألعاب الرياضية ولكن النصر المذكور في الآية هو المرتبط بالفتح ومتعلق بعودة الناس للدين وإذا عاد الناس إلى الدين فلماذا افكر بقتالهم! إذا وجدت آلية لهداية الناس فاقرأ عنها وكن من أبطالها ليعلوا شأنك.

وهناك مصطلحات يجب استيعابها قبل الشروع فيها وفي مقدمتها جهاد القتال، حيث يتصور الإسلاميون أنهم إذا امتلكوا عددا وعدة فقد انتصروا على عدوهم ولم يستوعبوا هزيمة جيش من خيرة أهل الأرض وقائده خير من مشى على الأرض وهو النبي ﷺ والغزوة هي غزوة أحد؛ الموضوع ليس إعداد القوة وتجييش الجيوش بقدر ما هو نشر مبادئ كبيرة وعظيمة، يقول عز وجل {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..} [الأنفال 60]، إن الهدف من أعِدوا أن ترهب عدو الله، لكن عندما تتأمل المشهد تجد أن البشر القائمين على هذه الجيوش ويعدونها هم أصدقاء أعداء الله، والأسلحة تشترى من أعداء الله وأسرارها عند أعداء الله فكيف تطالبهم أن يرهبون أعداء الله، المشكلة الكبرى هي في عقلياتنا.

إن الأمة الإسلامية حاليا ليست في حاجة للجيوش في الوقت الحاضر وأول أمر يجب أن ننتبه له هو إعداد القائمين على هذه الجيوش، الإعداد يكون للرجال الذين بدورهم يعدون الجيوش، ويجب أن تعلم أن الانتصار على أعداء الله يكون بالمبادئ الإيمانية أولاً، وهذا ما لا يريد أن يفهمه كثير من أبناء المسلمين رحمهم الله أحياءً وأمواتا، لأنهم جزء مهم من هذه الأمة.

دعوتنا الآن لترسيخ المبادئ الإسلامية التي تفوق بمجملها أخلاق ومبادئ الكفار بمراحل، فمتى نستوعب إنما بعثت لأ تمم مكارم الأخلاق، فالجيوش بدون أهداف عليا تكون محارق.

الموضوع ليس أرضا نحكمها، الموضوع أعمق بكثير من ذلك، لذا يجب علينا جميعا تجييش الجيوش لنشر المبادئ التي نشرها النبي ﷺ وصبر على نشرها وتحمل الأذى حتى أظهره الله عز وجل، وكما قال النبي  كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، قد تكون رب أسرة ولكنك فاسدا، فكيف ستربي أبناءك؟ على الفضيلة أم على الرذيلة؟ سؤال يجب التوقف عنده، وكذلك بالنسبة للمرأة إذا كانت صالحة فكيف ستربي بناتها؟ والعكس صحيح، واعني بالمبادئ أي التي دعا إليها الإسلام وأقرها، فبدون هذه المبادئ لا قيمة لهذه الأمة وإن احتلت الأرض ومن عليها وحكمتها!

المبادئ التي تنشرها الدول الغربية وتنثرها ذات اليمين وذات الشمال مبادئ هشة ورخيصة ومع هذا تجد لها قبولا في الشارع العربي والإسلامي بحجة الحرية، وقد دار بيني وبين رجل حوار عن معنى الحرية التي تدعو إليها الدول الغربية، وانتهينا ولم نتفق بعد أن ذكرت له قصة فتاة مسلمة هربت من دولة إسلامية بحجة الحرية وشوهدت وهي في منظر إباحي لا يقبله ولا يقره عاقل، وعند سؤالك لبعض أبنائنا ماذا ستفعل إذا هاجرت إلى الغرب، وتنتظر أن تجد في إجابته ما يفيد أنه سيعمل في الصناعات الحربية أو سيصعد إلى الفضاء أو سيشارك هؤلاء الناس الذين غزو العالم بأفكارهم، فإذا بك تجد الإجابة سأغسل صحونا في مطعم، فالشاب العربي مستعد أن يغسل صحونا في الغرب مقابل الكرامة والحرية كما يقولون.

سمعت ممثلا عربيا كبيرا يمدح بلده ويقول عندنا أوبرا، ولكن الشعوب لا تريد أوبرا وإنما تريد تحقيق مبدأ الكرامة والعيش بأمن وأمان وإذا اضطر أحدهم للذهاب إلى المستشفيات يجد من يحنو عليه بالعلاج لا من يستغله، هذه الأوبرا هي حالة ثانوية ترفيهية أي أنها أمر ليس في مقدمة مطالب الشعوب، وماذا أفعل بأوبرا بدون كرامة وإن الفقر لهو سببٌ رئيسيٌ لكسر الكرامة في هذا الزمن، أريد دخلا يسد حاجتي، أريد أن أجد العلاج إذا احتجته وأجد سريرا في مستشفى إذا كانت حالتي أو حالة أحد أفراد أسرتي تستدعي ذلك، وإذا ذهبت للشرطة لا أهان بحال من الأحوال أي لا أضرب بالحذاء كما هو متعارف عليه، أريد أن أجد التعليم والمدارس لأبنائي بعد هذه الأساسيات.
نريد الثقافة نريد أوبرا وأخواتها، أما الناس فتريد أن تحيا وتتزوج وتحتاج مسكنا مناسبا فتنام مستورة عن أعين الناس، تريد المواصلات التي تسهل عليها الانتقال والعمل، افهموا يرحمكم الله، المواصلات قبل الترفيه هداكم الله.

حين يضطر الإنسان لعمل عملية جراحية ضرورية ينتظر خمس سنوات حتى يأتيه الدور وهذا الممثل الكبير يقول عندنا أوبرا، كيف نفهم هؤلاء أن الأوبرا الخاصة بالفقراء والبسطاء تختلف عن أوبرا الشبعانين وما نسبة البسطاء أمثالي المحتاجين للسكن والعمل والتأمين الصحي بجانب الشبعانين الذين يبحثون عن الترفيه، لا مقارنة، واحد في المليون، اللهم إنا نشكو إليك ضعفنا وعجزنا، ويخرج علينا من يريد أن يجيش الجيوش لتواجه جيوش الأوبرا مع جيوشهم ومن ينتصر هو من تدعمه الحكومات الغربية، وإنما نحن كأغلبية نبحث أن نعيش بكرامة.

كثرت الفصائل الجهادية الإسلامية وقلت الكرامة وزاد الفقر والمهانة واتسعت دائرة الاحتلال على الأراضي العربية ولا ننسى أن الصواريخ زادت أعدادها ولكن الأراضي التي في أيدي المسلمين نقصت، فلماذا كثرة الفصائل إذا كان الحال كما ترون، متى نستوعب المعادلة؟ نحن لا نريد أن ننشر بين المسلمين نواقض الإسلام، إنما نريد أن ننشر رحمة الإسلام والغرض الذي من أجله بعث الله نبيه .

وقد ٍسألت بعض الإخوة لو استضفنا ممثلا مشهورا في مدينة كمدينة جدة، كم يكون عدد الحضور في تصوركم وسكان جدة تقريبا من ثلاثة إلى أربعة  ملايين؟ لا يمكن أن يتعدى مائة ألف، وكذلك لو كانت شخصية دينية سيكون العدد عشرات الآلاف، ولن تزيد عن مائة ألف حتى وإن كانت مباراة، قد تصل إلى ثلاثمائة ألف على أقصى تقدير، أما بقية الثلاثة ملايين لماذا لم يحضروا، ولن يحضروا، لأن المهتمين في الغالب هذه هي نسبتهم، وكما هو معلوم النسبة الكبرى لا يهتمون بغير أعمالهم، لكن الذي قد يستوقفنا جميعا ليس صلاة الجمعة وإنما الفطور عند مغرب شهر رمضان المبارك، وهذا لا شك يحدث شللا في البلد في أرجاء العالم الإسلامي، فلماذا لا يكون فطور رمضان سبب لانطلاقة الأمة فكريا على أقل تقدير؟ ولا شك أنها عملية صعبة لأن الأفكار الأخرى سرقت هذا الوقت الثمين وصرفته في متابعة الدراما، فما الفائدة التي تعود على شعوب تئن من الجوع والمرض ويملكون أوبرا أو مسرحا للمغنين؟ لذلك لا يوجد غير سنة النبي ﷺ التي نثرتها في هذه الكتب الثلاثة، والحمد لله أولا وأخيرا.

سعيد المحفوظ